آخر تحديث :الأربعاء-12 يونيو 2024-10:31م

ثقافي


"ورق التوت" يخلق دراما متجانسة لقضايا اجتماعية مبعثرة

الإثنين - 27 نوفمبر 2023 - 11:33 م بتوقيت عدن

"ورق التوت" يخلق دراما متجانسة لقضايا اجتماعية مبعثرة

سؤال بلس/وكالات:

حقق مسلسل “ورق التوت” المصري والمعروض حاليا على منصة “واتش إت” وفضائية “سي.بي.سي” معادلة صعبة في تقديم محتوى درامي يغوص في تعقيدات مشكلات اجتماعية تهم قطاعا واسعا من المواطنين، في إطار درامي متجانس دون أن يظهر عليه التشتت في تقديم الأفكار وعرض قضايا مختلفة، ما جعله يحقق متابعة واسعة، على الرغم من طول عدد حلقاته وتفاصيله.

يطرح العمل، والذي ينتمي إلى نوعية المسلسلات ذات الـ45 حلقة، مشكلات اجتماعية مختلفة تتعلق بالعنف الأسري وختان الإناث وتحدید النسل والجھل والاضطراب النفسي والتنمر والتحرش الجنسي والمشاكل الطبقية، وموضوعات أخرى تأتي في سياق الأحداث عمدا أو بالصدفة.

تدور أحداث المسلسل في مكان واحد، هو الأكاديمية العليا للفنون المسرحية بالقاهرة، والتي يلتحق بها أبطال العمل وتتفرع من خلالها مشكلاتهم الشخصية وأزماتهم الأسرية من خلال الخلفيات الاجتماعية والبيئية التي جاؤوا منها.

يقترب العمل إلى حد كبير من الواقع الجامعي، الذي يختلط فيه الطلاب من مشارب وطبقات وأفكار مختلفة دائما، ويتفاعلون معا، ولكل منهم قصة تشكل جوهر الاتجاهات والسلوكيات التي تميز كل منهم.

يعتمد العمل على فكرة البطولة الجماعية لمجموعة من الفنانين الشباب، وهو من بطولة شريف سلامة، أسماء جلال، خالد أنور، ثراء جبيل، آية سليم، محمد كيلاني، سلوى عثمان، جمال عبدالناصر، نور النبوي، عمرو صالح، سلوى محمد علي، ومن تأليف عبادة نجيب، وإخراج حسام علي.

يجسد الفنان شريف سلامة شخصية مروان غالب، وهو مخرج، ورئيس أكاديمية للفنون المسرحية، يلتحق بها الشباب، وتدور داخلها الكثير من أحداث المسلسل، ويعود غالب إلى مصر بعد أن عاش خارج البلاد، ويرفض الأوضاع الاجتماعية التي يراها غريبة ومختلفة عما كانت عليه في السابق، ويقرر اللجوء إلى فتح الأكاديمية للتعامل مع الطلاب بديناميكية عالية، ويبدأ العمل فيها كمخرج ورئيس لها.

تدور أحداث “ورق توت” في فترة زمنية لا تتعدى تسعة أشهر، يواجه فيها أبطال العمل تطورات غير متوقعة، وفقا للخلفية الاجتماعية التي ينتمي إليها كل منهم، فمثلا جسدت الفنانة ثراء جبيل دور سامية وهي فتاة تقطن في منطقة شعبية ويسيطر شقيقها على حياتها ويتحكم في تصرفاتها ويمنح نفسه الحق في أن يعتدي عليها ضربا ويتسبب في إذائها بشكل مستمر، ويكرر الاعتداء على أمها وتجسدها الفنانة سلوى عثمان بعد أن علم أن اخته اختارت الدراسة في أكاديمية لتعليم التمثيل، ومن هنا سلط العمل الضوء على تصاعد العنف الأسري داخل المنزل.

هناك عنف أسري من نوع آخر يسوده الجانب المعنوي، يتجسد من خلال شخصية ياسمين التي قامت بها الفنانة آية سليم، فهي على الرغم من أنها تنتمي إلى أسرة غنية، إلا أن والدها يتحكم في حياتها ولا تستطيع أن تستمتع بما تملكه من أموال، وواجهت في المقابل رفضا مماثلا بأن تكمل دراستها في أكاديمية الفنون، ما دفعها إلى التمرد على والدها، والسعي للانتحار أكثر من مرة.

أعاد المسلسل اكتشاف الفنانة الشابة أسماء جلال التي قامت بدور سيدة الفتاة التي تزوجت وهي صغيرة وأنجبت في وقت مبكر وتعاني من العادات والتقاليد السائدة في المجتمع المحيط بها، من خلال إصرار جدتها التي تجسدها الفنانة سما إبراهيم على ختان أختها الصغيرة أو عبر التصدي لإصرار جدتها على زواج شقيقتها من دون أن تصل إلى السن القانونية للزواج (18 عاما)، وكافحت لمنع تكرار تجربتها.

يجسد الفنان خالد أنور شخصية حسن، ويواجه الكثير من الصراعات، وهو يعمل حارس عقار، ولديه 6 أخوات بنات، ويعشق التمثيل والفن، ومنذ صغره يشارك في عروض المسرح المدرسية، وعائلته تتعرض لأزمات بسبب الفروق الطبقية بسبب الحب، ما شكل له عقدة جعلته يرفض زواج شقيقته من الشاب الثري الذي أحبته.

قال الناقد الفني أحمد سعدالدين إن الدراما والفن هما انعكاس لواقع موجود بالفعل، وهو ما عبر عنه مسلسل “ورق التوت” بعرض العديد من القضايا والمشكلات التي حرص على مناقشتها بجدية، وجاءت نتيجة إفرازات اجتماعية واقتصادية وسياسية جرى مزجها في سياق درامي ورابط محوري للأحداث، ما أسهم في نجاح العمل.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن كاتب العمل استطاع أن يقدم مزيجا متجانسا من الأزمات التي يمر بها المجتمع المصري حاليا ويحسب له ذلك، وتمكن من وضع المشكلات المتشعبة في سياق درامي مقنع للجمهور، عكس واقعهم بشكل إيجابي، كما أن متابعي العمل باتوا جزءا منهم، ينتظر كل منهم رؤية أزماته على شاشات التلفاز.

وأكد سعدالدين أن المسلسل يمكن وصفه من بين عدد قليل من الأعمال الاجتماعية التي عبرت عن السواد الأعظم في المجتمع، وخرج من سياق “دراما الكومباوندات” أو التجمعات المغلقة، والتي تناقش مشكلات طبقة الأغنياء ولا تتلامس مع الجزء الكبير من الجمهور، ويعبّر تقديمه في هذا التوقيت عن تغير درامي مهم في مصر مؤخرا، ويمكن أن تؤسس المحتويات المعروضة حاليا للعودة إلى زمن دراما ثمانينات وتسعينات القرن الماضي التي بدت انعكاسا لواقع الشريحة الأكبر من المصريين.


وواجهت الدراما المصرية انتقادات بسبب انفصالها عن الواقع، ومع أن الجزء الأكبر من المسلسلات التي عرضت في السنوات العشر الماضية تصنف في إطار اجتماعي، إلا أنها لم تغوص في التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية للطبقتين المتوسطة والفقيرة، حيث مرتا بتغيرات مرتبطة بالأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر.

وأعاد سعدالدين الفضل في ضبط البوصلة الدرامية نحو تقديم أعمال تناقش الواقع بجرأة أكبر من ذي قبل إلى وجود مظلة واحدة تعمل في إطارها الدراما، لافتا إلى أن مشكلة بعض المسلسلات المصرية أنها كانت بيد القطاع الخاص الذي اتجه نحو تقديم أعمال تغلب عليها الصفة التجارية، وحينما توفرت المظلة الحكومة متمثلة في “إعلام المصريين” ثم “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” انعكس ذلك على المحتوى.

ويعد وجود هيئات حكومية تضبط اتجاهات السوق عملية مهمة، مثلما كان الوضع بالنسبة لقطاع الإنتاج في اتحاد الإذاعة والتلفزيون سابقا وقطاع القاهرة للصوتيات والمرئيات، أو حاليا كما الوضع بالنسبة للشركة المتحدة، ويسهم ذلك في تحسين جودة المنتج الدرامي المقدم، مع قوة المنافسة، ما يجعل صناع الدراما أكثر حرصا على حجز أماكن لهم في سوق العرض التلفزيوني والمنصات الرقمية.

يُعرض مسلسل “ورق التوت” بعد مرور ثلاث سنوات على الانتهاء من تصويره لأسباب إنتاجية، غير أن نقادا يتفقون على أن العمل تجربة فريدة من نوعها، ومختلفة عما هو سائد في النص الذي كتبه عبادة نجيب ونفذه مع المخرج حسام علي.