آخر تحديث :الثلاثاء-28 مايو 2024-11:55م

تقارير


ضربة أمريكية للحوثيين.. أم حدث عابر؟

الأربعاء - 03 يناير 2024 - 03:55 م بتوقيت عدن

ضربة أمريكية للحوثيين.. أم حدث عابر؟

سؤال بلس/وكالات:

لن تعني مهاجمة البحرية الأمريكية لزوارق حوثية في البحر الأحمر شيئاً، أقلّه في المدى المنظور. قد تعني الكثير يوماً ما في حال حصول تغيير جذري في النظرة الأمريكية إلى اليمن من جهة وإلى المشروع التوسعي الإيراني على صعيد المنطقة كلها من جهة أخرى. كان يمكن البناء على هذا الحدث لو كان في الإمكان إدراجه في سياق إستراتيجية أمريكية تستهدف التصدي للمشروع التوسعي الإيراني ببعده الإقليمي.

هل إدارة جو بايدن مستعدة لمثل هذه الخطوة.. أم تفضل الانتظار والرهان على أن ما قامت به إلى الآن أكثر من كافٍ لردع الجمهورية الإسلامية ومنعها من توسيع حرب غزة؟

يصعب أن يكون للهجوم الأمريكي أي تأثير يذكر على سلوك جماعة أنصارالله الذين لديهم همّ واحد، إضافة في طبيعة الحال إلى وضع أنفسهم في خدمة المشروع الإيراني. يتمثل هذا الهم الواحد الوحيد في السيطرة على شمال اليمن وتحويله إلى قاعدة عسكرية إيرانية في الجزيرة العربية ذات أسلحة فتاكة وصواريخ متطورة نسبياً. يفسر ذلك السعي الحوثي المستمر منذ وضع اليد على صنعاء في سبتمبر(أيلول) 2014 إلى توسيع هذه السيطرة. كان ممكناً أن تمتد السيطرة الحوثية لتشمل مدينة مأرب وجزءاً من محافظة شبوة. كان ذلك احتمالاً وارداً لولا تدخل لواء العمالقة، الذي معظم عديده من المحافظات الجنوبية، في مرحلة معينة. وضع العمالقة حداً للطموحات الحوثية في التمدد في كلّ الاتجاهات بعد إخراجهم، في 2015، من عدن ومن ميناء المخا الذي يتحكم بمضيق باب المندب.

تبدو الحاجة أكثر من أي وقت إلى إستراتيجية جديدة في التعاطي مع الموضوع اليمني بعدما كشفت حرب غزة أهمية هذا البلد من زوايا عدة في مقدمها موقعه الإستراتيجي. ليس ما يشير إلى استعداد أمريكي للذهاب بعيداً في فهم ما يدور في اليمن وما سيترتب على بقاء الكيان الحوثي فيه حياً يرزق.. مع سيطرة هذا الكيان على ميناء الحديدة وامتلاكه في الوقت ذاته حدوداً طويلة مع المملكة العربية السعودية.


تدفع الإدارة الأمريكية حالياً ثمن غياب أي فهم لمدى خطورة السيطرة الحوثية على جزء من اليمن.


لم تفهم الإدارة الأمريكية يوماً خطورة الظاهرة الحوثية. لم يقتصر الأمر على فريق جو بايدن. منذ عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، منذ السنة 2000 تحديداً، لدى الهجوم الذي تعرضت له المدمرة "يو.إس.إس كول" في ميناء عدن، كان لسان حال المسؤولين الأمريكيين واحداً. بالنسبة إلى هؤلاء، لا وجود لخطر اسمه الخطر الحوثي، بل يوجد في اليمن خطر واحد هو وجود تنظيم "القاعدة" الذي استفاد طويلاً من هيمنة الإخوان المسلمين على قطاعات معيّنة في الأجهزة الأمنية، إضافة إلى قطاعات عسكرية مثل الفرقة الأولى/ مدرع. كانت تلك الفرقة بقيادة اللواء علي محسن صالح الأحمر، قريب علي عبدالله صالح، الذي كان من أبرز المشاركين في الانقلاب عليه. في مرحلة ما بعد رحيل علي عبدالله صالح عن السلطة، صار علي محسن صالح في موقع نائب رئيس الجمهورية.


لم يحد المسؤولون الأمريكيون عن هذا الرأي المتعلق بالحوثيين وما يمثلونه من خطر على اليمن نفسه وعلى المنطقة. بمجرد دخوله إلى البيت الأبيض، رفع جو بايدن الحوثيين عن قائمة الإرهاب. فعل ذلك نكاية بالمملكة العربية السعودية التي كانت تخوض منذ مارس(آذار) 2015 حرباً مع جماعة أنصارالله. لم تدرك المملكة خلال تلك الحرب، التي استمرت إلى ما قبل نحو سنتين تقريبا، أنه كان من الضروري التفريق بين الحوثيين وعلي عبدالله صالح الذي ما لبث جماعة أنصارالله أن تخلّصوا منه ديسمبر(كانون الأول) 2017.


يناور الحوثيون ومن خلفهم إيران في البحر. لكنّ ما يريدونه هو البرّ. لا يقدّم التصدي لهم في البحر ولا يؤخّر من دون استيعاب في العمق لمعنى وجود كيان تابع للجمهورية الإسلامية في اليمن، في صنعاء وفي ميناء الحديدة وعلى الحدود السعودية تحديداً.


لا معنى للضربة الأمريكية للحوثيين ولا معنى للتهديدات البريطانية في غياب فهم في العمق للنتائج المترتبة على الوجود الإيراني في اليمن وخطورته على المنطقة كلها، خصوصاً في ضوء امتلاك الحوثيين إمكانات عسكرية كبيرة. من الضروري العودة بالذاكرة إلى الخلف قليلاً. لا يزال السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: لماذا كل تلك الجهود التي بذلتها بريطانيا في العام 2018 من أجل التوصل إلى اتفاق ستوكهولم ومنع قوات الشرعية اليمنية وأخرى متحالفة معها من إخراج الحوثيين من الحديدة؟


ثمة أخطاء كبيرة ارتكبتها الإدارات الأمريكية في تعاطيها مع الحوثيين. لم يدرك الأمريكيون يوماً، باستثناء خلال فترة وجيزة من عهد دونالد ترامب، أن لا فارق بين القاعدة أو داعش من جهة والميليشيات المذهبية التي تقف وراءها الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى.


تحصد أمريكا في البحر الأحمر ما زرعته في اليمن. تحصد موقفها المتردد لسنوات طويلة من الاستثمار الإيراني في مشروع واضح المعالم يستهدف تحويل هذا البلد إلى قاعدة عسكرية إيرانية في شبه الجزيرة العربية لا أكثر.




لا تقع المسؤولية على أمريكا وحدها. هناك مسؤولية كبيرة تقع على الإخوان الذين انقلبوا على علي عبدالله صالح ابتداء من فبراير(شباط) 2011 تحت ستار الربيع العربي. جاء بعد ذلك الحقد الذي كان يمتلكه عبدربّه منصور هادي الرئيس المؤقت الذي خلف علي عبدالله صالح. هناك الآن وضع جديد في اليمن. هناك "شرعية" جديدة على رأسها الدكتور رشاد العليمي. لماذا لا دعم كافياً لهذه "الشرعيّة" كي تقيم توازناً عسكرياً، عن طريق أسلحة نوعية، مع الحوثيين؟


سيتبين في الأيام المقبلة هل تغير شيء في واشنطن تجاه اليمن أم لا، وما إذا كانت الضربة التي تلقاها الحوثيون في البحر الأحمر تعني شيئا… أم أنها مجرد حدث عابر!