آخر تحديث :الأربعاء-12 يونيو 2024-10:31م

اخبار دولية


هل أخطأت أمريكا في مواجهة الخطر الصيني "الجسيم"؟

السبت - 24 فبراير 2024 - 11:39 م بتوقيت عدن

هل أخطأت أمريكا في مواجهة الخطر الصيني "الجسيم"؟

سؤال بلس/وكالات:

تردد قطاعات واسعة داخل دوائر صناعة القرار وتوجيه الرأي العام في الولايات المتحدة منذ سنوات مقولة، إن الصين أصبحت خطراً جسيماً على الولايات المتحدة، يستوجب توجيه جزء كبير من أموال دافعي الضرائب نحو الإنفاق العسكري للتصدي لهذا الخطر.

فوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تصف الصين بأنها "خطر متسارع" يحدد وجهة الإنفاق العسكري والاستراتيجية الأمريكية. كما يعزف الصقور في الكونغرس بشكل جماعي نغمة أن الصين ستتفوق على أمريكا عسكرياً، عاجلاً أو آجلاً إذا لم يتم توجيه المزيد من أموال دافعي الضرائب نحو مخصصات الأمن القومي.

حجج مظللة
لكن كريستوفر بريل مدير مركز "ستيمسون" لإعادة تصور الاستراتيجية الأمريكية الكبرى، ووليام هارتونغ الباحث الزائر في معهد كوينسي لفن إدارة الدولة المسؤولة يقولان في تحليل نشرته مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، إن "هذه الحجج مضللة ولا تستند إلى حقائق".
وأضاف الباحثان، أن الولايات المتحدة تخوض لعبة المنافسة ضد الصين بطريقة خاطئة.
وإحدى نقاط تركيز معسكر "مواجهة الصين" هي تأكيد أن الصين تنفق على قواتها المسلحة أكثر مما هو ظاهر لسببين. الأول أن الميزانيات العسكرية الرسمية للصين لا تغطي كل أبواب الإنفاق ذات الصلة. والثاني هو أن الصين تنفق أقل من الولايات المتحدة على قدراتها العسكرية الممثلة في السفن والطائرات وعدد أفراد القوات المسلحة. ولتجاوز هذه المشكلة الأخيرة، يعتمد بعض المحللين على ما يعرف بتعادل القوة الشرائية للحصول على الأرقام بهدف المقارنة.

توازن القوة
وحتى من هذا المنظور فالفارق كبير للغاية بين الإنفاق العسكري الأمريكي والصيني، حيث يبلغ الأخير ثلاثة أمثال الأول، فتنفق الولايات المتحدة على الأغراض العسكرية 905.5 مليار دولار سنوياً مقابل 219.5 مليار دولار للصين. أما المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فإنه يرى أن الإنفاق العسكري الأمريكي يزيد عن ضعف الإنفاق الصيني الذي يقدره المعهد بحوالي 407.9 مليار دولار سنوياً. في الوقت نفسه أشار أحدث إصدار من "تقرير توازن القوة" الصادر عن المعهد إلى تراجع متوسط نسبة الإنفاق العسكري من إجمالي الناتج المحلي للصين إلى 1.23% خلال الفترة من 2019 إلى 2023 مقابل 1.28% خلال الفترة من 2014 إلى 2018.

وجاءت الزيادة الطفيفة في هذه النسبة قينل ياغلق بعام 2023 لتصل 1.24% نتيجة تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني. في المقابل زادت نسبة الإنفاق العسكري للولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة من 3.26% في 2021 إلى 3.36% من إجمالي الناتج المحلي في 2023.
ويوضح التحليل الذي نشرته مجلة ناشونال إنتريست، أن أرقام الإنفاق العسكري ليست المقياس الوحيد للقدرات العسكرية. فهناك مقياس آخر يتعلق بالحضور العسكري على الصعيد العالمي. فالصين ليس لها وجود عسكري يذكر خارج محيطها، في حين تمتلك الولايات المتحدة شبكة قواعد خارجية تضم 750 قاعدة، وتنشر 170 ألف جندي خارج أراضيها، وتنخرط باستمرار في عمليات مكافحة الإرهاب، لتصل إلى 78 عملية خلال سنوات حكم الرئيس الأمريكي جو بايدن وفقاً لتقديرات مشروع نفقات الحرب التابع لجامعة براون الأمريكية.

في المقابل يمكن القول، إن الصين تركز بصورة أكبر على المسارات غير العسكرية للتواجد على المسرح العالمي. فبكين تستخدم التجارة والمساعدات التنموية والدبلوماسية لنشر النفوذ الصيني على مستوى العالم وليس فقط في شرق آسيا.
على سبيل المثال يقول البعض، إن الصين تحقق مكاسب في الشرق الأوسط وإن لم يكن عبر إظهار قوتها العسكرية وإنما عبر المبادرات الاقتصادية كما يقول بيتر سينغر وكيفين نغوين في تحليل مركز "بلو باث لابس" للأبحاث.
ويقول سينغر ونغوين، إن "الصين ترى فرصة اقتصادية كبيرة في الشرق الأوسط وبخاصة في دول الخليج الغنية بالنفط، والتي شهدت علاقتها بها تطوراً مطرداً خلال العقد الماضي". كما أزاحت الصين كلا من فرنسا وألمانيا عن رأس قائمة الدول الأكثر نفوذاً في الكثير من الدول الأفريقية خلال العقد الماضي بحسب معلومات مركز فردريك باردي للمستقبليات الدولية بجامعة دنفر الأمريكية.

عسكرة مفرطة وضارة
وفي الوقت نفسه فإن إفراط الولايات المتحدة في عسكرة العلاقات الدولية له آثار جانبية ضارة أخرى. فالولايات المتحدة تنخرط في الصراعات الرئيسية في العالم سواء عبر المشاركة المباشرة فيها على الأرض أو عبر مبيعات الأسلحة وهو ما يسبب توترات في العلاقات مع بعض الدول، وبخاصة في العالم النامي. في المقابل فإن الصين لم تخض حرباً منذ أكثر من 50 عاماً رغم تنامي قوتها العسكرية باطراد.
والآن تدور الاستراتيجية الأمريكية بشدة حول تطوير خطط لكسب أي حرب مع بكين، على أساس التفوق عليها سواء في التكنولوجيات التقليدية أو الجديدة، من الصواريخ الفرط صوتية إلى الأسلحة النووية. وبينما يتحدث البعض في أمريكا بين حين وآخر عن ضرورة التعاون مع الصين في مواجهة تحديات أساسية مثل التغير المناخي ومنع الجوائح، يتم تخصيص المزيد من الموارد والأحاديث في واشنطن للتعامل مع الصين كمشكلة عسكرية بشكل أساسي.

"دليل عمل بكين"
لذلك يرى كريستوفر بريل ووليام هارتونغ، أن أفضل طريقة للتعامل مع الصين يجب أن تتضمن إيجاد سبل لتقليل التوتر وزيادة التعاون بين الجانبين في مواجهة الخلافات الكبيرة حول قضايا مثل حقوق الإنسان، والتوازن العسكري في غرب المحيط الهادئ.
ومن أجل منافسة الصين على النفوذ الدولي، يتعين على واشنطن قراءة صفحة من "دليل عمل بكين" وإعادة التوزان إلى استثمار مواردها وقدراتها نحو العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وفي نفس الوقت التحرك نحو امتلاك قدرات عسكرية أقل حجما لكنها تظل قادرة على الردع. فاستمرار الولايات المتحدة في تبني استراتيجيتها العسكرية الحالية لن يكون مكلفاً بشدة فقط، وإنما يمكن أن يفجر سباق تسلح ويزيد مخاطر حدوث صراع بين القوى الكبرى.