آخر تحديث :الجمعة-24 مايو 2024-11:20م

تقارير


باب المندب.. شريان عالمي حيوي تحت التهديد

الخميس - 08 فبراير 2024 - 11:53 م بتوقيت عدن

باب المندب.. شريان عالمي حيوي تحت التهديد

سؤال بلس/وكالات:

منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وباب المندب في صدارة عناوين الأخبار ومحركات البحث على الإنترنت، في رد فعل طبيعي على ما يشهده من تصعيد خطير، بسبب تكرار هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على السفن التجارية العابرة من مياهه دخولاً إلى البحر الأحمر باتجاه أوروبا عبر قناة السويس.

بدأ التصعيد فعلياً في البحر الأحمر في تاريخ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حينما أعلنت ميليشيا الحوثي مهاجمة سفينة "جالاكسي ليدر" واقتيادها إلى ساحل اليمن، وأعقب الهجوم الأول بهجمات مشابهة كثيرة شنت باستمرار خلال الشهرين الماضيين، وأفضت إلى تشكيل الولايات المتحدة وبريطانيا تحالفاً دولياً في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، أطلق عليه تحالف الازدهار، في محاولة لوضع حد لتمادي الحوثيين، والسماح باستئناف حركة التجارة العالمية عبر الممر الحيوي.

موقعه الجغرافي الاستراتيجي
بحكم موقعه الاستراتيجي احتفظ المضيق بأهمية تجارية وعسكرية فائقة، فمن خلاله تعبر آلاف سفن الشحن المحملة بالنفط، والبضائع إلى البحر الأحمر متجهة شمالاً إلى أوروبا، أو جنوباً وشرقاً إلى أفريقيا وآسيا، لكن وفي ظل التصعيد، تراجع الزخم التجاري إلى مستويات دنيا، مع وقف شركات شحن عالمية مثل "ميرسك" و"إم إس سي" و"هاباغ ليود" عبورها في مياه البحر الأحمر، شاقة طريقها إلى رأس الرجاء الصالح لتوصيل البضائع بسلاسة وسلامة متحملة أعباء وأكلافاً أكبر.

يعتبر مضيق باب المندب، ممراً مائياً مهماً يصل خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط. وهو يقع بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في أفريقيا، ويتوسط القارات الخمس. وما يميزه أنه يصل البحرَ الأحمر بخليج عدن، وبحر العرب، والمحيط الهندي من جهة، والبحر الأبيض المتوسط من الجهة الأخرى.

يبلغ طوله نحو 30 كيلومتراً، وتقسمه جزيرة ميون اليمنية إلى قناتين، قناة إسكندر وهي الصغرى، وتقع بمحاذاة السواحل اليمنية، وقناة دقة المايون، وهي القناة الكبرى، وتقع متاخمة للسواحل الأفريقية.

أهميته الاستراتيجية والتجارية
يعد المضيق عصب التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، حيث تمر عبره نحو 10% من حركة الملاحة والتجارة العالمية، ويحتل باب المندب المرتبة الثالثة من حيث عبور موارد الطاقة بعد مضيقي ملقة وهرمز.

وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، فإن قرابة 10% من النفط المنقول بحراً يمر يومياً عبر مضيق باب المندب، ودون هذا المضيق فإن إمدادات الخام والمشتقات النفطية ستشهد تذبذباً وفوضى في سوق الطاقة.

وفي النصف الأول من عام 2023 الماضي، مر عبر المضيق وخط أنابيب سوميد وقناة السويس، 12% من إجمالي النفط العالمي المنقول بحراً، وكذلك 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

ويكتسب المضيق أهمية كبرى، بسبب اختصاره مسافات طويلة، بما يخفف أكلاف الشحن إلى حد كبير عندما تجري مقارنته بطرق بحرية أخرى، كالرجاء الصالح، وبحسب بيانات منظمة التجارة العالمية، فإنه يختصر رحلات السفن مدة 14 يوماً في البحر المتوسط.

وبحسب موقع "vessel tracking" المختص، بتتبع حركة الملاحة العالمية، فإن متوسط عدد القطع البحرية (سفن وقوارب) العابرة للمضيق سنوياً بلغ نحو 22 ألف قطعة بحرية، بمعدل 60 قطعة يومياً.

وتقدر قيمة الشحنات النفطية والتجارية الأخرى المارة من باب المندب إلى البحر الأحمر وقناة السويس وصولاً إلى البحر المتوسط بنحو (700) مليار دولار أمريكي سنوياً.

فرضية غلق المضيق
وتعني فرضية غلق المضيق، منع الناقلات وسفن الشحن القادمة من آسيا أو منطقة الخليج العربي من الوصول إلى قناة السويس، مما يحوّل مسارها حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، عبر رأس الرجاء الصالح.

وبسبب الهجمات الحوثية، أعلنت شركات شحن عالمية كبرى في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقف عبورها رسمياً في البحر الأحمر وتحويل مساراتها إلى طرق بديلة، بينها 4 من أكبر 5 شركات شحن حاويات في العالم، وهي "ميرسك" و"إم إس سي" و"هاباغ ليود" و"سي إم إيه سي جي إم".
وتمثل هذه الشركات الأربع مجتمعة 53% من تجارة الحاويات العالمية. وقد تحذو الشركات الأصغر لنقل الحاويات حذوها، بحسب مجلة "إيكونوميست".

منافسة دولية
شهد المضيق على مر التاريخ تنافساً محموماً مدفوعاً بتزاحم الدول على حماية مصالحها التجارية والعسكرية، وفي الوقت الحالي، تتقاسم السيطرة على المضيق، اليمن وجيبوتي من الجهتين الآسيوية والأفريقية.

ورغم أن المضيق واقع بين اليمن وجيبوتي، إلا أن دولاً عديدة تنافسهما في معركة العسكرة، في مقدمتها الولايات المتحدة من خلال نشر قطعها العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن، والصين الداخلة حديثاً على خط المنافسة من خلال تأسيس قواعد عسكرية على ضفاف القرن الأفريقي، إضافة إلى فرنسا وإيران.

وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية القاعدة العسكرية "ليمونير" في جيبوتي، عام 2007، لتكون مسؤولة عن العمليات والعلاقات العسكرية مع الدول الأفريقية، وينتشر فيها قرابة (4000) جندي، وأصبحت مقراً لقواتِ "أفريكوم" في المنطقة، ومهمتها مراقبة المجال الجوي والبحري والبري للسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي وكينيا واليمن.

وكثفت أمريكيا وجودها العسكري في البحر الأحمر وحوله بعد بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أعقاب هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خشية تصعيد محتمل مع إيران، وأرسلت في الـ19 من الشهر نفسه أكثر من ثلاثة آلاف بحار وجندي إلى الشرق الأوسط، كما أدخلت السفينة الهجومية البرمائية "يو إس إس باتان" وسفينة الإنزال "يو إس إس كارتر هول"، مياه البحر الأحمر.
ومنذ سنوات عديدة تحاول إيران المنافسة والسيطرة على الشريان الحيوي والتحكم فيه عبر تحريك بيادقها في ميليشيات الحوثي اليمنية، كذلك من خلال قطعها البحرية، مثل المدمرة "ألبرز" التي دخلت في إطار المجموعة 94 التابعة لبحرية الجيش الإيراني، البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب.

أما فرنسا فتحتفظ بأكبر قاعدة عسكرية أجنبية لها خارج حدودها في جيبوتي. وينتشر نحو (1500) جندي في القاعدة ويقومون بمهام مكافحة الإرهاب وحراسة الممرات البحرية القريبة.

كذلك الصين، سعت منذ تغلغلها في القارة الأفريقية عموماً وفي منطقة القرن الأفريقي خصوصاً للحفاظ على وجودها بتأسيس قاعدة عسكرية قريبة من المضيق الحيوي، فبنت قاعدة بحرية في جيبوتي في عام 2017 بحجة مكافحة القرصنة وضمان أمن باب المندب، بعد 4 سنوات من إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ عن مبادرة "حزام واحد طريق واحد"، التي باتت تعرف بطريق الحرير الجديد.